فخر الدين الرازي
118
لباب الاشارات والتنبيهات
بمسمى أنا ، أن يكون غافلا عن الجسم بخلاف سلب الجسم والحلول في الجسم ، فإنه سلب فيكون مغايرا لحقيقة ما هو المشار اليه بقولي أنا . ولا يمتنع أن يكون الملزوم مشعورا به واللازم مغفولا عنه . إشارة : الإنسان يتحرك بشئ غير جسميته التي لغيره ، وبغير مزاج جسمه الذي يمانعه حال حركته في جهة حركته ، كما في الإعياء ، بل في نفس حركته كما عند الرعشة . وكذلك يدرك بغير جسميته وبغير مزاج جسميته . لأن المدرك إن كان مثلا له لم يدركه لأن المزاج لا يدرك الشبيه ، وإن كان مخالفا له فإذا وصل إليه تأثر كل واحد منهما عن الآخر ، فعند التأثير لا بد وأن تزول الكيفية المزاجية الأولى وتحدث كيفية أخرى ، فأما الزائلة فلا تدرك لأنها عدمت ، وأما الحادثة فلا تدرك لأنها مثل ذلك الواصل . برهان آخر : وهو أن المزاج كيفية تابعة لامتزاج أضداد متنازعة إلى الانفكاك . وعلة الامتزاج قبل الامتزاج ، والقبل لا يكون بعد . فإن قيل : ألستم تقولون : إن النفس إنما تحدث عن واهب الصور بعد حدوث المزاج ، فيلزمكم هذا الإشكال ؟ قلنا : نفس الألوان هي التي تقهر تلك الأجزاء على الاجتماع ، وحينئذ تحدث الكيفية المسماة بالمزاج ، فتحدث النفس بعد ذلك ، ثم إن تلك النفس تحفظ تلك الأجزاء على ذلك الاجتماع الأول . إشارة : لا شك أن المشار إليه بقولي « أنا » : واحد . وقد دللنا على أنه ليس بجسم ولا مزاج ، وظاهر أنه ليس عرضا آخر . فثبت : أن النفس ليس بجسم ولا حال في الجسم ، إلا أن لها تعلقا قويا شبيها بالعشق